زكي مبارك
66
عبقرية الشريف الرضي
التواريخ وهو ديوان الشريف . والحق أن شخصية ابن ليلى تعطينا صورة من صور الرضي ، أو هي تدلنا على بعض مذاهبه في الحياة ، ومن الواجب أن ننص بصراحة على صفة أساسية من صفات الشريف هي الفروسية ، فقد كان الشريف الرضي فارسا ، وكان أبوه فارسا ، وكان أقطاب أسرته من الفرسان ، وأبطال الفروسية لهم شمائل تقترب من شمائل الأعراب ، فليس من المستغرب أن يكون للشريف صديق بدوي يحبه أصدق الحب ويبكيه حين يموت بالقصائد الباقيات . أضيفوا إلى هذا أن الشريف كان ورث عن أبيه صداقات كثيرة ، صداقات بدوية أسسها في غدوه ورواحه بين العراق والحجاز ، وكان الشريف وأبوه قد عرفا أقطاب البوادي وشياطين الصحراء وهما يحجان ، وقد حجا مرات كثيرة بفضل المنصب الموروث ، منصب إمارة الحج ، ومن هنا جاز أن يقال إن ابن ليلى كان داعية الشريف ، فليس من المستبعد أن يكون الشريف فكر في تكوين عصبية عربية يناهض بها خلافة بني العباس حين تسمح الظروف ، وكان ابن ليلى من الذين اصطفاهم لتحقيق ذلك الغرض المرموق ، ولكن ستظل هذه القضية ظنونا في ظنون إلى أن يظهر ما يحققها من شواهد التاريخ . والمهم أن نقرر أن الشريف تفجع على ابن ليلى أعظم تفجع ، وشهدت أشعاره بأنه كان يرى ذلك الرجل من كرام الأصفياء ، والواقع أن البوادي فيها كنوز من الشهامة والفتوّة والمروءة ، وهي عالم مجهول ولكنه موجود ، وكان من حظ الشريف أن يعرف ما في ذلك العالم من شمائل وخصال .